عباس حسن
64
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
فقد أنث الفعل الماضي : « شرق » لتأنيث فاعله المضاف المستوفى الشرطين - وهو : « صدر » - تأنيثا مكتسبا من المضاف إليه الذي هو كلّ للمضاف . ومثال المضاف الذي يشبه جزء المضاف إليه قول الشاعر : وما حبّ الديار شغفن « 1 » قلبي * ولكن حبّ من سكن الديارا فكلمة : « حب » - الأولى - مبتدأ مذكر ، خبره الجملة الفعلية : « شغفن » والرابط بين المبتدأ وخبره : ضمير النسوة : « النون » وصح أن يكون العائد على المبتدأ المذكر ضميرا مؤنثا لأن المبتدأ المذكر مضاف ، وكلمة : « الديار » مضاف إليه مؤنثة ؛ فاكتسب منها التأنيث . والمضاف هنا وهو كلمة : « حبّ » ليس جزءا من المضاف إليه ، ولكنه يشبهه في أن له اتصالا عرضيّا ، وارتباطا سببيّا به ؛ فالصلة بين الحب وديار الأهل والأصدقاء معروفة ، والشرط الثاني متحقق هنا ؛ فمن الممكن حذف المضاف ، والاكتفاء بالمضاف إليه من غير فساد للمعنى ؛ فيقال : الديار شغفن قلبي . ومثال المضاف الذي هو « كلّ » للمضاف إليه قول الشاعر يصف نباتا ناضرا : جادت عليه كلّ عين ثرّة « 2 » * فتركن كلّ حديقة كالدّرهم فقد لحقت تاء التأنيث آخر الفعل : « جاد » للدلالة على تأنيث فاعله ؛ وهو : « كل » ، مع أن هذا الفاعل مذكر في ذاته . ولكنه مضاف ، اكتسب تأنيثه من المضاف إليه . أي : من : كلمة « عين » المؤنثة . فصح لذلك تأنيث فعله . وقد تحقق الشرطان ، لأن المضاف كلّ عامّ يشمل المضاف إليه ، ولا يفسد المعنى بحذف المضاف هنا وإقامة المضاف إليه ؛ فيقال : جادت عليه عين ثرّة « 3 » ومثل هذا قوله تعالى : « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً » . . .
--> ( 1 ) أصبن شغاف قلبي . ( والشّغاف بفتح الشين المشددة ، وفتح الغين ) غشاء يلف القلب . ( 2 ) عين ثرة ؛ أي : بئر منهمرة ؛ فياضة الماء . ( 3 ) يتصل بهذا الحكم شئ آخر ؛ هو وقوع لفظ « كل » مضافا ، يليه « المضاف إليه » ، ثم « نعت » بعدهما . فلأيهما يكون هذا النعت ؟ الجواب في « ج » من ص 167 .